iMadrassa

في التصوف بين النسبي و المطلق

تـمهيـد

ونحن نتبع عملية الإدراك، نقف عند الثلاثية المتمثلة في: الإنسان، الطبيعة والله. إلا أن إدراك الإنسان لذاته وللطبيعة يختلف عن إدراكه لله عزّوجلّ. وفي سياق علاقة الفرد بخالقه يظهر التصوف كواحد من مظاهر العلاقة التي تربط الإنسان بخالقه.

I الـتصـوُّف تـجربة إنـسانيـة إسلاميـة

يعد الإنسان كائن روحي ومن هنا جاء التصوف كمظهر من مظاهر العلاقة الروحية التي تربط الإنسان بخالقه، وقد اختلفت مصادر التصوف حيث أرجعها البعض إلى صفاء القلب ويرجعها البعض الآخر إلى الصُفّة (وهي السقيفة التي رفعت للفقراء المتعبدين خارج المدينة) ومنهم من أرجعها إلى لفظ صوفيا اليوناني الذي يعني الحكمة لكن الغالب هو ما أشار إليه ابن خلدون أنها من الصوف الذي اتخذه النساك لباسا.

1 التصوف في جانبه العملـي

انقطعت فئة من المسلمين عن المجتمع وتفرّغوا للعبادة واقتنعوا بالقليل من أسباب الحياة، فاتصفت المرحلة الأولى في التصوف الإسلامي في الاستغراق في التأمل باعتباره واحدا من سبل سالك طريق الله وفي صلته بخالقه قد يبلغ درجة التقارب التي وجدها هؤلاء في قوله تعالى: "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدْ" فدليل الورع الصادق هو الموت ومَحَكُ فضيلة الصبر هو تحمُّل الألم. إن الشعور الباطن متى اقترن بالطاعة والتفاني، يؤول بصاحبه إلى حال روحية من الإيمان الخالص.

2 التصوف في جـانـبه الـنظــري

إن التصوف كنظام فلسفي يسعى إلى تطهير النفس وشوقا إلى اللّه والاتصال به وبلوغ المعرفة اللّذية أو المعرفة الإلهية الصادرة من لدن اللّه تعالى ذاته وتختلف عن المعرفة التي تأتيه عن طريق البحث ولمّا سئل ذو النون المصري: بماذا عرفت اللّه؟ قال:" عرفت الله باللّه وبقدر ما يعرف العبد ربّه يكون إنكاره لنفسه".

وقد تكلم بعض المتصوفة في الحلول فأوقعهم في التطرف مثل ما وقع فيه الحلاّج وابن عربي والصهروانجي ثم جاء الغزالي وحاول أن يعطي نظرة اعتدال للتصوف كتجربة ذوقية في بُعدها الروحي.

II كيف يمكن إثبات أن نسبية الذوق لا تمنعه من تصور مناهج الالتقاء بمطلقية الكشف؟

يقوم التصوف على ثلاث مراتب: الزهد-الإشراق والحلول.

1 الــزهــد

هو بعد ديني ومحاربة النفس والإعراض عن شهواتها في سبيل الوصول إلى الكمال الأخلاقي فقيل:" الزهد ترك ما يشغلك عن اللّه" ويعتبرون أن كل ما يحدث للإنسان في هذه الحياة لا يصل إلى درجة الفرح على ما اكتسبه أو الحزن على ما افتقده مستدلين يقوله تعالى:" وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَأَنَّ الدَّارَ الآخِرَة لَهِيَ الْحَيَاةُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"

2 الإشــراق

هو ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضها على الأنفس الكاملة عند التجرد عن المواد الجسمية. فالإشراق نور يقذفه اللّه تعالى في الصدر كما جاء في قوله تعالى: " الله نُورٌ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كمشكواة فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقِدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشَاء وَيَضْرِبُ الله الْأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم"    سورة النور-35-

ويحدثنا السهروندي عن الإشراق أي حضور النور في قلبه عند ارتقائه إلى عالم الحضرة الإلهية فتنكشف الأنوار الربانية في بصيرة الصدق حتى تبدو دون احتجاب خلف المحسوسات وفي هذا تكون غيبة الصوفي عن ذاته واضمحلال كيانه الإنساني مع سطوة نور التجلي الإلهي.

3 الـعــرفان ووحـدة الـوجـود

ورائد هذا الاتجاه ابن عربي. يرى ان الله هو مصدر الوجود وخالقه وإن وجوده عين ذاته لا زائد عليه وأنه تعالى يتفرد بالوحدانية والإطلاق وأنّه متميّز عمّا خلق وأنّه يخرج من دائرة الإحساس والوهم شكلا وحجما ومادة لكنه في الوقت عينه هو وما خلق شيء واحد. فهناك وحدة جامعة بين الكون والمخلوق ولا يدرك هذه الوحدة إلا الإنسان الذي يعرفها حقا وخلق لأنه من متصل بالحقيقة وبالكون مباشرة ولا يعتمد في ذلك على الشرع أو العقل وإنما هو نوع من الفيض النوراني الذي يتجلى للعارفين فيصبح الله على سبيل الحلول والعالم شيئا واحد وأتمّ صورة في الخلق هي الإنسان الكامل الذي يطلع على مشيئة الله المتمثلة بمعرفته ذاته.

نــــقد

وصلت الصوفية إلى القول بالاتصال بالله والحلول من خلال مجاهدة النفس أو ما يعرف بالرياضة الروحية فيشعر بأنّه توصل إلى حق اليقين لمجرد كونه مسلم وهذا مخالف لحقائق التاريخ.

III أســـس بـلـوغ الــسعـادة هو الذوق والـكشـف
1 ســعــادة الـزهـد والـعــرفان

لقد كان هدف المتصوفة الظفر بالسعادة من خلال العشق و الشوق و الوجد و اعتقدوا أن ذلك يحصل بالتسامي عن المادة و تحرير النفس و الاستغراق في العبادة حتى تمثل لهم الغنى في الفقر و الراحة في الشقاء و الحرمان و السعادة في الصبر و تحمل الآلام و اعتقدوا أن في ذلك السعادة الحقة كغبطة روحية و سمو معنوي و هي عشق و شوق مستمران و ما العشق إلاّ ابتهاج بتصور حضرة الحق و ما الشوق إلاّ الرّغبة الدائمة في كمال الابتهاج و النفوس البشرية إذا نالت الغبطة العليا في حياتها الدنيا كان أجل أحوالها أن تبقى عاشقة مشتاقة لا تخلص من علاقة الشوق أبدا.

2 ســعــادة الـــعــقـل والــوجــدان

الوسيلة الأولى لإدراك السعادة هي الدراسة والبحث والنظر والتأمل وأما الأعمال البدنية والحركات الجسمية فهي في الرتبة الثانية ولا يمكن أن تحل محل التهذيب الفكري والرقي العقلي بأي حال من الأحوال. فغاية السعادة ليست إلاّ مجرّد اتّصال بين العبد وربّه يحظى فيها الإنسان بضرب من الإشراق وهذا الإشراق وذلك النّور لا يصدران عن الله مباشرة بل بواسطة العقل الفعّال.

الخــاتمة

إن التجربة الذوقية كأساس للتّصوّف هي تجربة أصلية تؤول إلى تعزيز الوازع الرُّوحي.


قم بالدخول للإطلاع على المزيد من المحتوى

لتتمكن من الوصول إلى جميع الدروس والتمارين والمسابقات والفيديوهات وتصفح الموقع براحة قم بالدخول أو بتسجيل حساب مجانا.



قم بالدخول للإطلاع على المزيد من المحتوى

لتتمكن من الوصول إلى جميع الدروس والتمارين والمسابقات والفيديوهات وتصفح الموقع براحة قم بالدخول أو بتسجيل حساب مجانا.