iMadrassa

"النّصّ التّواصليّ : حياة اللّهو و المجون"" مصطفى صادق الرّافعيّ "" "

I حياة اللّهو و المجون " مصطفى صادق الرّافعيّ "

منح العبّاسيّون المزيد من الحرّيّة للشّعوب غير العربيّة بعد أن كانت محدّدة في العصر الأمويّ و قد شملت تلك الحرّيّة كلاّ من العقيدة و التّفكير و التّعبير ، ما لم تمسّ سلطة الحاكم . و لم يراع بعضهم حدود تلك الحرّيّة ممّا نشأ عنه الانحلال الخلقيّ و الاجتماعيّ و ضعف الوازع الدّينيّ .

 إذا شئنا أن نقارن بين الحياة في العهد الأمويّ و الحياة في العهد العبّاسيّ يتبيّن أنّ الأولى كانت أقلّ تصنّعا و تكلّفا و أقرب إلى الفطرة العربيّة ، و قد تميّزت بسيطرة العنصر العربيّ ، أمّا الثّانية فقد تأثّرت إلى حدّ بعيد بالعادات و التّقاليد الفارسيّة . فالعبّاسيّون كانوا يقيمون عيدا " للنّيروز "[1] و يحتفلون به كعيد قوميّ ، كما كانوا يقلّدون الفرس في أزيائهم و ملابسهم و شتّى مظاهر حياتهم و قد أفرطوا في تتبّع اللّذائذ و نشواتها و استغلّوا ثراء الدّولة فأسرفوا في التّرف . و قد اتّجه اهتمام العبّاسيّين إلى تعليم الجواري و توجيههنّ نحو الغناء ، الأمر الّذي أدّى إلى انتشار الغناء في هذا العصر ، لدرجة كنت ترى معها المغنّيين و المغنّيات يملؤون المحال العامّة و الشّوارع و قصور الخلفاء و منازل الأثرياء و الفقراء على السّواء . و قد ساعد انتشار الغناء على نموّ الذّوق العامّ و إقبال الجماهير على هذا الفنّ الجميل ، فقد جاء في الأغاني[2] : أنّ النّاس شغفوا بالغناء حتّى ليغنّي مغنّ على الجسر فيجتمع حوله السّامعون و يخاف من سقوط الجسر بهم , و حتى كان بعضهم يكاد ينطح العمود برأسه من حسن الغناء , و لم يتحرّج الخلفاء و لا أبناؤهم من اختراع الأصوات و التّغنّي بها.

و قد واكب ازدهار الغناء ازدهار الأدب ، فالمغنّية كانت لا تستطيع أن تحسن غناء الأشعار إلاّ إذا حفظت كثيرا من الشّعر و أجادت مخارج الحروف و اطّلعت على كثير من الأدب. وقد كان من أثر ذلك أن انتشر في العراق الغناء الجيّد و تفشّى اللّهو و المجون كنتيجة حتميّة لذلك ، وكانت الجواري على نوعين:جوار مغنّيات خاصّة، لا يغنّين إلاّ للخليفة أو الأميرأو الثّريّ ، و نوع آخر أطلق عليه اسم ''قيان''. و قد أثّر هذا النّوع من الجواري في الحياة الإجتماعيّة و كان عاملا من عوامل إشاعة المجون و الفساد الخلقيّ و سببا في كثرة الخليعين و المجّان. وإلى جانب ذلك لا يستطيع المؤرّخ أن يطمس فضل الجواري في كثير من نواحي الحياة ، فقد كان لهنّ فضل انتشار الظّرف بين النّاس ، و كتابة الأشعار الرّقيقة و الجمل الظّريفة ، و نظرا لأنّهنّ كنّ مزيجا من شتّى الجنسيّات و الأمم ،فأنَّهنّ استطعن أن ينقلن إلى المجتمع العبّاسيّ الكثير من عادات بلادهنّ و تقاليدها ، و من العجب أنّ المجتمع العبّاسيّ أهمل الحرائر في الحياة و حصر اهتمامه بالجواري فكانت الحرّة نتيجة لذلك ناقصة الثّقافة أو جاهلة و هذا الحكم لا يؤخذ على إطلاقه ، فلقد أتيح لكثير من الحرائر أن يشتغلن ببعض العلوم و أن ينبغن في الأدب و الموسيقى و الشّعر.و قد عرف النّاس بذلك عهدا زاهيا من التّرف و الإسراف و الخمرة في العهد العبّاسيّ و أسباب ذلك يمكن ردّها الى ما يلي :

  •  تطوّر الدّولة الطّبيعيّ من اتّساع و ضبط موارد و تنمية .
  •  نفوذ الفارسيّين الّذين عرفوا منذ القديم بميلهم إلى اللّهو و البذخ .
  •  استعدادات بعض الخلفاء و طبيعتهم العاطفيّة الحادّة الميّالة إلى اللّهو و الإسراف لدرجة أنّهم لا عمل لهم إلاّ سماع الغناء و العكوف على اللّهو, على خلاف بعضهم اللّذين انصرفوا الى الملاذ العقليّة و الفلسفة و الجدل في المسائل الدّينيّة و الفقهيّة, فيجمعون حولهم عددا كبيرا من العلماء ،إلاّ أنّهم يلهون بعض الشّيء ، و يسمعون و يشربون الخمر. وقد كثر شعر المجون و الخلاعة في العصر العبّاسيّ ، ولكثرة تردّد الشّعراء على مجالس الطّرب و الشّراب بما فيها من الجواري و المغنّيات ،أصبحت تلك العادة أكثر شيوعا فيهم ممّا بسائر الطّبقات ، وكان إمام طبقة الشّعراء المجان في العصر العبّاسيّ أبو نواس  منهم مسلم بن الوليد و حسين الخليع و غيرهم.

من كتاب ''حضارة العرب " – بتصرّف –

أكتشف معطيات النّصّ:
  • فيم تتمثّل حياة اللّهو و المجون في نظرك؟
  • تتمثّل في انتشار مجالس الخمر و الغناء . الخلاعة مع الجهر بها . الزّندقة و الفسق .
  • ما هي أسباب ظهور حياة اللّهو و المجون في الدّولة العبّاسيّة؟
  • من أهمّ الأسباب :

    - ابتعاد المجتمع ,عن القيم الأخلاقيّة و المبادئ الدّينيّة الأصيلة , بعد إحتكاكهم بالعنصر الفارسي

    - ميل بعض الخلفاء الى اللهو .

    - اتساع الدولة و تنوع موارد التنمية 

  • هل عرف العرب مثل هذه الحياة في العصر الأموي و لماذا؟
  • لم يعرف العرب مثل هذه الحياة في العصر الأمويّ لأنّ الدّولة انشغلت بتوسيع نفسها من خلال الفتوحات الإسلاميّة  , كما انّ العرب حافظوا على فطرتهم و بداوتهم و حياتهم كانت اقلّ تصنعا .
مناقشة معطيات النّص :
  • بم تميّزت البيئة العبّاسيّة؟
  • بيئة ماجنة يغلبها اللّهو و الفجور بمنع الشعوب غير العربية الكثير من الحرية .
  • علام يدلّ قول الكاتب:''حتّى ليغنّي مغنّ على الجسر.......فيخاف من سقوط الجسربهم''؟
  • هذا دليل على تهافت النّاس على مجالس الغناء
  • ماذا أفادت ''إذا'' في مطلع النّصّ؟
  • أفادت الشّرط .
  • هل ترى أنّ ازدهار الغناء أثّر في ازدهارالأدب أم العكس؟علّل.
  • ازدهار الأدب أثّر في ازدهار الغناء ، لآنّ المغنّية كانت لا تستطيع أن تحسن غناء الأشعار إلاّ إذا حفظت كثيرا من الشّعر و اطّلعت على كثير من الأدب .
  • انتهج الكاتب طريقة لعرض أفكاره ما هي؟ وما خصائصها؟
  • طريقة الكاتب في عرض أفكاره هي الانتقال من العامّ إلى الخاصّ . خصائصها هي : التّحليل و الشّرح و التّعليل و الإتيان بأدلّة من التّاريخ و الواقع .
أستخلص و أسجل
  • ما هو الموضوع الّذي عالجه الكاتب في هذا النّصّ؟
  • عالج الكاتب موضوع اللّهو و المجون و انتشار الغناء في العصر العبّاسيّ .
  • حدّد أفكاره.

الأفكار الواردة في النّصّ تتمثّل في :

  1.  المقارنة بين الحياة في العصر الأمويّ و الحياة في العصر العبّاسيّ .
  2.  انتشار الغناء و آثاره .
  3.  أسباب ازدهار الحياة في العصر العبّاسيّ .
  4.  مظاهر اللّهو و المجون .
  • إلى أيّ نمط ينتمي هذا النّص؟ و ما خصائصه؟
  • نمط النّصّ تفسيريّ . من خصائصه : التّحليل و التّعليل و الشّرح و التّأكيد و ذكر الأدلّة .
  • أكّد الكاتب على أثر امتزاج ثقافي في العصر العبّاسيّ و تكوين نمط جديد من الحياة.علّل
  • الامتزاج الثّقافيّ نتج عنه اللّهو و المجون و انتشار الغناء و الجواري و صاحب ذلك انتشار المجون و كثرة الشّعراء المجّان .

قم بالدخول للإطلاع على المزيد من المحتوى

لتتمكن من الوصول إلى جميع الدروس والتمارين والمسابقات والفيديوهات وتصفح الموقع براحة قم بالدخول أو بتسجيل حساب مجانا.



قم بالدخول للإطلاع على المزيد من المحتوى

لتتمكن من الوصول إلى جميع الدروس والتمارين والمسابقات والفيديوهات وتصفح الموقع براحة قم بالدخول أو بتسجيل حساب مجانا.