"النّصّ التّواصليّ: الدّعوة إلى الإصلاح و الميل إلى الزّهد"" محمّد عبد العزيز الكفراويّ "" "
" محمد عبد العزيز الكفراويّ " كاتب و ناقد سياسيّ و أدبيّ من القطر الشّقيق مصر، اهتمّ كثيرا بتاريخ الحضارة العربيّة و سجّل في ذلك الكثير من الكتابات منها كتاب " تاريخ الشّعر العربيّ في العصرين الأوّل و الثّاني من خلافة بني العبّاس " و منه أخذ النّصّ الّذي بين أيدينا.
انتشر الرّخاء و التّرف في العصر العبّاسيّ و تعدّدت مجالس الشّراب و اللّهو نتيجة لإطلاق الحرّيّات و امتزاج العرب بالعجم و التّأثّر بالآداب الأجنبيّة، فشاعة الخلاعة و المجون، و كان لذلك كلّه ردّ فعل عكسيّ، إذ ثارت الحميّة الدّينيّة في نفوس بعض الشّعراء و المصلحين فمنهم من جعل شعره مقصورا على الزّهد، و منهم من ألزم نفسه حياة خشنة ، كأنّه بذلك يقاوم التّيار العابث.
إذا كانت الحياة الجديدة الّتي عاشها المجتمع العربيّ في العصر العبّاسيّ الأوّل قد دفعت طائفة من الشّعراء نحو اليسار، فرفعوا لواء الثّورة على المجتمع و عبثوا بآدابه و تقاليده عبثا شديدا، و نشروا فيه شيئا من القلق الاجتماعيّ و الاضطراب الخلقيّ ، فإنّ ظروفا أهمّها التّراث الإسلاميّ و الآداب الإسلاميّة متمثّلة في القرآن الكريم و الحديث النّبويّ الشّريف، مضافا إليها الآداب الواردة في الكتب السّماويّة السّابقة للقرآن، ثمّ جهاد المتصوّفة في الوعظ و علماء الكلام من أمثال " الحسن البصريّ " و " واصل بن عطاء " و " مالك بن دينار " و أخيرا التّراث الفلسفيّ المتّزن الوافد من بلاد الإغريق شمالا و فارس و الهند شرقا، كلّ أولئك قد أتى ثماره ناضجة في تلك الفترة، فدفع طائفة من الشّعراء نحو اليمين فأصلحوا ما أفسده المفسدون، بل تعجَب حين تعرف أنّ أولئك الشّعراء الّذين ثاروا على المجتمع أنفسهم أحسنوا إليه من حيث لا يشعرون. و يمكن أن نتتبّع تلك التّيارات على النّحو التّالي:
النّشاط الدّينيّ ، فالدّين بطبيعته ضدّ الحركات الهدّامة، و هو دائما يقف بجانب العرف و التّقاليد ما لم تُحلّ حراما أو تحرّم حلالا، و لذلك كانت مناوشات مستمرّة بين رجال الدّين و بين تلك الطّوائف الخارجة على العرف الثّائرة على المجتمع، و من ذلك ماكان " بشّار " من جهة و " الحسن البصريّ " و " مالك بن دينار " من جهة أخرى. و قد سجّل تاريخ الأدب بعض ما دار بين الفريقين من خصومات عابرة حينا و طويلة الأمد أحيانا، فمن نماذج الأولى ما كان بين " بشّار " من جهة و " الحسن البصريّ " و " مالك بن دينار " من جهة أخرى. و من نماذجها أيضا ما كان بين " أبي حنيفة " و " حمّاد عجرد " فلقد تعرّض الأوّل للثّاني بالنّصيحة و الوعظ بل بسط لسانه فيه حين لم ينفع الوعظ. أمّا تلك الّتي طال أمدها، فمن نماذجها ما كان بين " المعتزلة " و " بشّار بن برد "، و كان اصطدامهم جزء من سياستهم العامّة الّتي قامت على التّطبيق العمليّ لما يؤمنون به من أمور نظريّة و شملت تلك السّياسة فيما شملت الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و يظهر أنّ " بشّارا " أبى أن يستسلم بل أخذ يدفع الضّربات بأعنف منها و قد كلّفه ذلك كثيرا، حيث اضطرّ للخروج من البصرة ، و لم يعد إليها إلاّ بعد موت " واصل ". هذه نماذج من الصّدام المباشر بين أئمّة المجون و الزّندقة و رجال الدّين. هناك نوع آخر من التّصادم لم يكن مباشرا و لكنّ آثاره على أيّة حال لم تكن أقلّ من آثار تلك الحملات الّتي شنّها المعتزلة من الشّعراء. و حامل لواء تلك الحملات غير المباشرة هو " أبو العتاهية ". و لم تكن الحركة الإصلاحيّة مقتصرة على الشّعراء إذ كانت مساجد بغداد عامرة بالعبّاد و النّسّاك و أهل التّقوى و الصّلاح و كان في كلّ ركن منها حلقة لواعظ يذكّر بالله و اليوم الآخر، و ما ينتظر الصّالحين من النّعيم، و العاصي من العذاب و الجحيم . و كان من الوعّاظ من يقتحم قصر الخلافة ليعظ الخلفاء على نحو ما هو معروف عن " عَمرو بن عبيد " في وعظه للمنصور،
و " صالح بن عبد الجليل " في وعظه ﻟ " المهديّ " و " أبي السّمك " في وعظه ﻟ " هارون الرّشيد " و قد كثر قُصّاص الوعظ الّذين كانوا يدفعون النّاس إلى العبادة و رفض المتاع الدّنيويّ و سلوك السّبيل الواضح إلى نعيم الآخرة كثرة مفرطة. و كان إلى جانب القصّاص الوعّاظ كثير من النّسّاك يحيون حياة زهد خالصة، كلّها تبتّل و عبادة و تقشّف و انقباض عن الاستمتاع بالحياة و ملذّاتها و انصراف عن كلّ نعيم فيها، انتظارا لما عند الله من النّعيم الّذي لا يزول، أمثال " سفيان بن عُيَينة " حيث كان يقول: " فِكْرك في رزق غد يُكتب عليك خطيئة ". إنّ القارئ لنتائج هذه الفترة يرى تيارات مختلفة قد تلاقت لتكوّن مجموعة صالحة من الآداب و العادات و الأفكار، أنارت للنّاس سبيلهم و عصمتهم من التّخبّط و القلق و الفوضى الخلقيّة و الاجتماعيّة. و هكذا كان قانون الحياة عادلا و منصفا حيث ضرب رجالا برجال و شعراء بشعراء و حفظ بذلك التّوازن بين طبقات المجتمع المختلفة.
تاريخ الشّعر العربيّ في العصرين الأوّل و الثّاني
من خلافة بني العبّاس – بتصرّف –
- ماذا تعني كلمة " الزّهد "؟
- تعني كلمة الزّهد ترك متاع الدّنيا و التّفكير في العاقبة.
- هل انتشار اللّهو و المجون و الزّندقة يعني انحلال المجتمع العبّاسيّ؟
- نعم انتشار المجون و الزندقة يعني انحلال المجتمع العباسي، و ماذا بعد المجون؟
- من هم الّذين حملوا لواء الثّورة على المجتمع؟
- الذّين حملوا لواء الثورة على المجتمع هم من أخذتهم الحمية الدينية و العزّة عليه.
- ما الأسباب الّتي أدّت إلى ظهور المصلحين؟
- من الأسباب التي أدّت إلى ظهور المصلحين:
- انتشار العبث.
- اللّهو و المجون .
- الاختلاط بالأعاجم.
- غلو المجتمع العباسي في المتاهات ...
- هل اقتصر الوعظ على عامّة النّاس أم شمل الخلفاء و الأمراء؟
- لم يقتصر الوعظ على عامة النّاس بل شمل الخلفاء و الأمراء.
- ما مظاهر اللّهو و المجون في العصر العبّاسيّ.
- من مظاهر اللّهو المجون في العصر العباسي: انتشار الخمر، القيان، الغناء ...
- ما الوسائل الّتي استعملها الوعّاظ؟
- من الوسائل التي استعملها الوعاظ: المواجهة، الزهد، الاقتحام، حلقات المساجد...
- اُذكر بعض أسماء الوعّاظ و المصلحين.
- من الزّهاد و المصلحين: الحسن البصري، مالك بن دينار، أبو حنيفة، أبو العتاهية،عمرو بن عبيد، صالح بن عبد الجليل، أبو السمك.
- بيّن أثر هذه الحركة في الشّعر.
- من أثر الحركة في الشّعر: استعماله كقالب لها في الوعظ و الإرشاد، كما أنّه أصبح مهذبا.
- ما الموضوع الّذي عالجه الكاتب؟
- الموضوع الذّي عالجه الكاتب: الاستغناء عن مآثر الجاهلية، ترك متاع الدّنيا.
- ما نمط النّصّ؟
- نمط النّصّ تفسيريّ.
- هل كان أثر ثقافات الأمم المستعربة إيجابيّا أم سلبيّا؟ أيّد رأيك بأمثلة.
- أثر ثقافات الأمم المستعربة سلبيّ لمّا أقبلوا على مخالفة تعاليم الدّين ( لهو، بذخ، ترف، زندقة مجون، قيان، غناء، خمرٌ...) و إيجابيّ لمّا أقبلوا على انتقاء ما يخدمهم في إطار الشرع ( التجديد، الترجمة، الفكر الإسلامي، الاقتصاد و التجارة ).
أنشأ الإسلام دولة دينيّة أرساها على التّقوى و التّساهل، لكنّ حبّ الحياة و سحر الدّنيا كثيرا ما حوّلا التّقوى إلى رياء و التّساهل إلى انخلاع ممّا معا المصلحين و المرشدين إلى أن يرفعوا أصواتهم بالزّجر عن المحرّمات و التّحذير من المغريات، و الحثّ على صالح الأعمال، تفاديا لعذاب النّار و رغبة في نعيم الخلد. فأوجدت هذه الظّروف اتّجاها فكريّا جديدا في الشّعر يمثّله " أبو العتاهية ".





